ووصف تقرير "سي إن إن" رغبة ترامب في التوصل إلى اتفاق مع الجمهورية الإسلامية بـ "العجلة الجنونية"، مضيفًا أن دونالد ترامب، ومساء يوم الأربعاء، وبينما كان يستعد لتناول وجبة العشاء في قصر فرساي، فاجأ مضيفه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وبعض مساعديه بطلب مفاجئ: كان يريد توقيع اتفاقه مع إيران هناك وفي تلك اللحظة بالذات.
ووفقًا للشبكة، فإن كبير الدبلوماسيين في إدارة ترامب علم أثناء توجهه إلى القصر أن نص الاتفاق قد تم نهائيًا، لكن مراسم التوقيع كانت مبرمجة مسبقًا بعد يومين في مقاطعة خاصة للغاية على سفح الجبال المطلة على بحيرة "لوسيرن". وكان من المقرر أن يتوجه نائب الرئيس وكبير المفاوضين الأميركيين في هذا الاتفاق، جي دي فانس، إلى سويسرا لتوقيع مذكرة التفاهم وبدء الجولة التالية من المفاوضات الفنية مع إيران.
ورغم ذلك، كان ترامب مصرًا على دخول الاتفاق حيز التنفيذ فورًا، وألحّ على توقيعه في الليلة نفسها. وبحسب مسؤولين مطلعين على تفاصيل الواقعة، فإن ماكرون أبلغهم بقدرته على تنسيق الأمر سريعًا.
وأضافت "سي إن إن" أنه بينما كان الرئيسان يتجولان في "قاعة المرايا" بفرساي ويشاهدان الأسقف المزدانة باللوحات التي تجسد أمجاد بداية عهد الملك لويس الرابع عشر، كان وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، برفقة نظيره الفرنسي، جون نويل بارو، يبحثان عن طابعة لطباعة نص الاتفاق.
وتابعت الشبكة أنه في خضم هذه الظروف، لم يثر أحد المخاوف بشأن التاريخ المشؤوم لـ "فرساي"؛ بوصفه موقعًا لتوقيع اتفاقيات السلام، لا سيما الاتفاقية التي أنهت الحرب العالمية الأولى لكنها مهدت الطريق لحرب أخرى.
وعلى الرغم من أن دونالد ترامب ومسعود بزشكيان وقعا في نهاية المطاف نص مذكرة التفاهم، مساء الأربعاء 17 يونيو الجاري، إلا أن مراسم يوم الجمعة في لوسيرن لم تُقم قط. إذ أجل فانس رحلته بعد انسحاب إيران من الاجتماع في أعقاب تصاعد حدة العنف بين إسرائيل وحزب الله في لبنان. وكان الطرفان قد اتفقا، بحلول صباح الجمعة 19 يونيو، على تمديد وقف إطلاق النار، ومع ذلك، بدا الاتفاق الذي لم يمر على توقيعه سوى أيام معدودة أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
وأكدت "سي إن إن" في تقريرها أن ترامب وفانس لديهما أسباب وجيهة للمضي قدمًا بأسرع ما يمكن نحو المرحلة التالية من الاتفاق؛ وهي المرحلة التي تهدف إلى تثبيت التزامات إيران بالحد من برنامجها النووي. ويواجه كلاهما انتقادات لاذعة ولا هوادة فيها حتى من قِبل شريحة من مؤيديهما، الذين يرون في هذا الاتفاق نوعًا من التراجع الذي يمنح طهران امتيازات دون تحقيق مكاسب تذكر في المقابل.
وعلى سبيل المثال، صرح رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، روجر ويكر، يوم الخميس 18 يونيو، بأن صندوق إعادة الإعمار البالغ قيمته 300 مليار دولار والمذكور في البند السادس من هذه المذكرة، يجعل الأموال المدفوعة في الاتفاق النووي إبان عهد أوباما مع إيران "تبدو ضئيلة بالمقارنة".
وفي رد فعل على ذلك، اتخذ ترامب موقفًا دفاعيًا، مصرًا على أن التفوق العسكري الأميركي هو الذي جلب إيران إلى طاولة المفاوضات.
وكتب على منصات التواصل الاجتماعي، يوم الجمعة 19 يونيو: "لم نتفاوض من منطلق يأس؛ بل إيران هي من فعلت ذلك. لقد انتهى أمرهم!". وأضاف ترامب: "سنمضي في هذه الأيام الستين. لن يتلقوا أي أموال، ولا حتى سنتًا واحدًا".
ومع ذلك، وبعد أشهر من الحرب، من الواضح أن مذكرة التفاهم المكونة من 14 مادة جلبت نوعًا من الارتياح للرئيس الأميركي الذي طالما رغب في إنهاء النزاع. وكان المستشارون قد حذروه من أن احتياطيات النفط العالمية في انخفاض، كما بلغت مخاوف الجمهوريين بشأن الانتخابات النصفية المقبلة ذروتها.
واعترف ترامب نفسه هذا الأسبوع بأن المخاوف الاقتصادية هي التي دفعته نحو توقيع الاتفاق. وصرح للصحافيين بأنه كان قلقًا من أن يُقارن بهيربرت هوفر، الرئيس الأميركي الذي شهد عهده انهيار السوق الذي أدى إلى الكساد الكبير. وقال يوم الأربعاء في فندق رويال بمدينة إيفيان لابان، عند اختتام قمة مجموعة السبع (G7): "لم أكن أريد أن أشهد كارثة اقتصادية".
وبعد ساعات قليلة، وتحديدًا بعد الساعة الحادية عشرة ليلاً، كان ترامب يجلس في الرواق السفلي لقصر فرساي ويوقع الاتفاق بقلم "شاربي" (العريض على طاولة ضيافة طويلة، وسط أصوات ارتطام الأطباق والكؤوس في الخلفية.
وقال لمرافقيه، الذين كان من بينهم عمالقة من "وول ستريت" ورئيس أكبر مجموعة للسلع الفاخرة في فرنسا: "لم يكن هذا الأمر سهلاً، أقول لكم هذا". ثم رفع مذكرة التفاهم عاليًا ليريهم توقيعه. ورد عليه ماكرون قائلاً: "أحسنت". بعد ذلك، التقط أحد الحاضرين صورة للمستند لإرسالها إلى إيران.
مسار فوضوي
وفقًا لتقرير "سي إن إن"، فإن هذا التوقيع المفاجئ شكّل نقطة النهاية لمساعٍ جنونية لتهيئة الاتفاق؛ وهي مساعٍ كانت مليئة بالمنعطفات والاقتراب المتكرر من الفشل. وفي بعض المراحل، اتسمت العملية برمتها بالفوضى، وهو وضع كان لترامب نفسه يد في خلقه غالبًا. فقد تأرجح لأسابيع بين موقفين: التحدث عن قرب التوصل إلى اتفاق، أو التهديد باستئناف العمليات العسكرية في حال عدم استسلام الجمهورية الإسلامية وقبولها بالخطوط الحمراء الأميركية.
وحتى بعد التوصل إلى "مذكرة التفاهم"، ظل النص الفعلي محجوبًا عن الأنظار لعدة أيام؛ ويعود جزء من هذا التأخير إلى أن الوسطاء الباكستانيين أبلغوا المسؤولين الأميركيين بأن مسؤولي النظام الإيراني يفضلون تأجيل نشر النص لأسباب داخلية خاصة بهم، وهو أمر أشار إليه فانس أيضًا.
وعندما نُشر النص أخيرًا، وجرى ذلك فقط عبر قراءته من قِبل مسؤول أمريكي رفيع أمام الصحافيين، تحدث المسؤولون عن "اتفاقيات شرف"؛ وهي اتفاقيات لم تكن موجودة في النص الرسمي لكنها تعكس تفاهمات خلف الكواليس، قالوا إنها منحتهم الثقة في الاتفاق.
وصرح فانس، الذي تولى قيادة المفاوضات، للصحافيين، يوم الخميس الماضي، بأن بعض هذه الاتفاقيات الجانبية قد تم توثيقها خطيًا، لكنه أردف قائلاً: "مذكرة تفاهم، اتفاقيات شرف، اتفاق نهائي؛ الكلمات لا تهم أيتها السيدات والسادة. ما يهم هو التحقق والتنفيذ".
ووفقًا لأحد المصادر المطلعة على فحوى الإيجازات التي قدمها مسؤولو إدارة ترامب لقادة الكونغرس، فإن المفاوضين الأميركيين نشروا مذكرة التفاهم دون انتظار موافقة رسمية على مزيد من التفاصيل من قِبل قادة إيران، لأنهم لم يرغبوا في تأخير المرحلة التالية من المفاوضات. فالحصول على تأكيد رسمي من طهران بشأن تلك المقترحات السرية كان سيتطلب وقتًا أطول.
ولكن حتى توقيع الاتفاق المكون من 14 مادة في فرساي أثار الغموض للحظات؛ إذ كان مسؤولون أميركيون قد صرحوا في وقت سابق من ذلك الأسبوع بأن ترامب وقع الوثيقة رقميًا. وفي النهاية تبين أن ترامب كان قد شهد فقط على توقيع سابق، وأراد مساء الأربعاء التأكد من توقيع النسخة الورقية بيده وبيد الرئيس الإيراني لتكتسب الصفة الرسمية.
وعند خروجه من القصر، في حدود الساعة الواحدة صباحًا بالتوقيت الفرنسي المحلي، صاح ترامب قائلاً: "لقد وُقِّع. وقعته في فرساي".
رغبة ترامب في الخروج من الحرب
كان مستشارو البيت الأبيض يتوقعون، في وقت سابق، أن تنتهي الحرب قبل بدء سلسلة من الفعاليات الصيفية: انطلاق كأس العالم، إقامة نزال منظمة (UFC) للمصارعة على العشب الجنوبي للبيت الأبيض في يوم عيد ميلاد ترامب، والاحتفال بالذكرى المائتين والخمسين لتأسيس الولايات المتحدة.
ولكن بدلاً من ذلك، تحولت الحرب إلى خلفية دائمة لكل هذه الأحداث، وغدت عاملاً مثبطًا للاقتصاد العالمي ولشعبية ترامب الشخصية، وظل قراره بشن الضربات في نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي يلقي بظلاله على فترة رئاسته، حتى وهو يحاول تجاوزها.
وداخل الجناح الغربي للبيت الأبيض، كان العديد من كبار المسؤولين يبحثون منذ فترة طويلة عن مخرج من الأزمة. وأراد أعضاء الفريق السياسي لترامب إيجاد مسار لإنهاء الحرب لحماية الجمهوريين المعرضين للخسارة في الانتخابات النصفية، وكذلك لحماية الإرث السياسي للرئيس.
وكان وزير الخزانة، سكوت بيسنت، قلقًا بشأن التداعيات الاقتصادية للحرب. كما حذر وزير الطاقة، كريس رايت، من عواقبها على قطاع الطاقة العالمي.
وقال أحد المصادر المطلعة على المفاوضات لـ "سي إن إن": "كان هناك إجماع واسع على أنه إذا استمر هذا الوضع، فإن الأمور ستزداد سوءًا لا محالة".
وبحسب التقرير، فخلال اجتماع داخلي عُقد في أوائل شهر يونيو الجاري في البيت الأبيض، قرر ترامب ومستشاروه الضغط من أجل التوصل إلى اتفاق عام مع طهران؛ اتفاق يؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز ويرسم إطارًا عامًا لتفكيك برنامج إيران النووي.
ووفقًا لمسؤول شارك في المفاوضات، لم يعترض أي من مستشاري الرئيس في نهاية المطاف على المضي قدمًا في هذه الخطة، وقررت المجموعة إعادة تقييم الوضع على مدى فترة جديدة مدتها 60 يومًا من المفاوضات الفنية بعد التوصل إلى الاتفاق الأولي لإنهاء الحرب.
وفي الأسابيع التالية، كان فريق الأمن القومي لترامب يجتمع يوميًا تقريبًا لمراجعة مسار الاتفاق. ويقول مسؤولون مشاركون في المحادثات إن الكثيرين كانوا قلقين من ألا تلتزم طهران بتعهداتها.
وبحسب أحد المسؤولين، كان مدير وكالة المخابرات المركزية (CIA)، جون راتكليف، ووزير الحرب، بيت هيغسيث، من بين أكثر الأشخاص تشككًا حيال احتمال تنفيذ إيران لالتزاماتها بتقديم تنازلات جوهرية في برنامجها النووي، حتى لو وافقت طهران على التفاوض بشأن هذا الموضوع. ولكن في مراحل مختلفة، أبدى جميع كبار المسؤولين تقريبًا، بمن فيهم روبيو وفانس والمبعوثان الخاصان لترامب: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، شكوكًا جادة أيضًا.
ومع ذلك، اتفق الجميع في النهاية على الموقف الذي كان ترامب نفسه يريده. وصرح مسؤول شارك بشكل مباشر في هذه المفاوضات لـ "سي إن إن" قائلاً: "نريد لهذا الأمر أن ينتهي".
مسار وعر تعقده التوترات الإسرائيلية
مع ذلك، سرعان ما تبين أن عجلة ترامب وفريقه لإنهاء الحرب ستصطدم بعقبات جسيمة. فالمفاوضات مع إيران كانت عملية بطيئة وشاقة، ترافقها تأخيرات طويلة في تلقي الردود من المرشد، مجتبى خامنئي؛ وهو الشخص الذي يعتقد المسؤولون الأميركيون أنه يستخدم الرسل الميكانيكيين (المراسلات الورقية عبر أشخاص) للحفاظ على سرية مكان إقامته.
وبينما كان المسؤولون الأمريكيون ينتظرون رد طهران على مقترحهم الأخير، اصطدمت طائرة مسيرة إيرانية في 8 يونيو الجاري بمروحية أباتشي أمريكية؛ وهو حادث أدى إلى عملية إنقاذ مثيرة في البحر للطيارين الأمريكيين وأعقبته موجة جديدة من الضربات الانتقامية.
وخلال الأيام القليلة التالية، استشاط ترامب غضبًا؛ لأنه كان يعتقد أن طهران ووسائل الإعلام لم تأخذ رده على هذا الحادث على محمل الجد الكافي. وأصدر أوامر بغضب من البيت الأبيض لتنفيذ عمليات قصف يومية.
وفي الوقت نفسه، كان وفد من المسؤولين القطريين في طهران يبذل جهودًا للحصول على مقترح مقابل من إيران يمكن لترامب قبوله. وتزامنًا مع تهديد ترامب بشن هجوم آخر، أفاد القطريون بأن بعض الفجوات القائمة بين مواقف الطرفين قد تقلصت.
وأوقف ترامب الضربات ودخل عطلة نهاية الأسبوع التي تزامنت مع عيد ميلاده، وهو يعتقد أن الاتفاق بات أقرب من أي وقت مضى.
ولكن سرعان ما ظهر عائق آخر؛ إذ جعل الهجوم الإسرائيلي الدامي على ضاحية بيروت، يوم الأحد، بالتزامن مع الذكرى الثمانين لميلاد ترامب، من الضروري بذل جهود جديدة لإنقاذ الاتفاق الذي كان ترامب يراه شبه نهائي. وتحركت إسرائيل ردًا على هجمات حزب الله، لكن ترامب ومستشاريه اعتبروا هذا الإجراء محاولة من بنيامين نتنياهو لإفشال الاتفاق.
ووفقًا لتقرير "سي إن إن"، هاجم ترامب نتنياهو لفظيًا وبشدة في اتصال هاتفي سادته عبارات قاسية. وفي الوقت نفسه، كان مستشاروه يحاولون الحيلولة دون وقوع رد انتقامي من إيران بدا وشيكًا. وفي طهران، عقد المفاوضون القطريون اجتماعات مكثفة ومطولة لإنقاذ الاتفاق، وكانوا يحيطون ويتكوف وكوشنر ومسؤولين أميركيين آخرين علمًا بتقدم المحادثات بشكل منتظم.
وبعد 17 ساعة من المفاوضات، سحب الحرس الثوري الصواريخ الباليستية التي كانت موضوعة على منصات الإطلاق لتوجيهها نحو إسرائيل. كما رفض القطريون مطالب طهران بتعديل نص الاتفاق، محذرين من أن صبر ترامب بدأ ينفد.
ومع ذلك، أصرت طهران على مطلب واحد: لم تكن إيران مستعدة لإعلان الاتفاق في يوم عيد ميلاد ترامب.
وفي النهاية، وجد الوسطاء الذين كانوا يخشون أي تأخير إضافي حلاً مبتكرًا؛ إذ تقرر إعلان الاتفاق بعد منتصف الليل بقليل بتوقيت طهران؛ أي قبل سبع ساعات ونصف من توقيت واشنطن، حيث كان ترامب يستعد لمشاهدة نزال مصارعة على العشب الجنوبي للبيت الأبيض؛ احتفالاً بعيد ميلاده.