وكتبت "واشنطن بوست"، يوم الجمعة 19 يونيو (حزيران)، أن ترامب انتقد مرارًا على مدى السنوات الماضية نهج أوباما تجاه الملف النووي الإيراني، واصفًا الاتفاق النووي بأنه "كارثي"، و"معيب جوهريًا"، و"أحادي الجانب"، و"مسار لإيران نحو امتلاك سلاح نووي"، و"واحد من أسوأ وأغبى الاتفاقيات في تاريخ أميركا".
أما الآن، فقد توصل ترامب إلى تفاهم مع إيران يُعد، بشكل أو بآخر، الاتفاق الذي كان يطمح إليه هو نفسه.
وبحسب «واشنطن بوست»، فإن مقارنة هذا التفاهم مع "اتفاق أوباما" ليست سهلة، لأن الاتفاق السابق كان شاملاً ذا تفاصيل واضحة، بينما لا يزال "تفاهم ترامب" في مراحله الأولى، ولم تتضح بعد العديد من القضايا الأساسية والحاسمة فيه.
كما أن الظروف الحالية تختلف جذريًا عن فترة توقيع الاتفاق السابق؛ إذ ازدادت المعرفة النووية لدى إيران، التي دخلت في مفاوضات بعد أشهر من المواجهات العسكرية، وهي حرب أضعفت قدراتها العسكرية وأدت إلى مقتل عدد من كبار مسؤوليها.
لماذا أصبح التوصل إلى اتفاق نووي جديد أصعب من فترة "اتفاق أوباما"؟
أعلنت الولايات المتحدة وإيران، في 15 يونيو الجاري، التوصل إلى تفاهم لإنهاء الحرب. وتم توقيع "مذكرة التفاهم" هذه فجر الخميس 18 يونيو من قِبل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب ونظيره الإيراني، مسعود بزشكيان.
وبموجب هذا النص، تم تحديد فترة 60 يومًا للمفاوضات الفنية، والتي ستتركز على قضايا حساسة مثل مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، وكيفية رفع العقوبات.
القيود المفروضة على إيران في إطار الاتفاق السابق
بموجب الاتفاق السابق، التزمت إيران بتخصيب اليورانيوم لمدة 15 عامًا فقط حتى مستوى 3.67 في المائة.
هذا المستوى مناسب للاستخدام في المفاعلات النووية، وهو بعيد عن نسبة 20 في المائة (اليورانيوم عالي التخصيب) وكذلك عن مستوى نحو 90 في المائة المطلوب لصناعة سلاح نووي.
كما ألزم الاتفاق طهران بتدمير 98 في المائة من مخزونها من اليورانيوم المخصب. إضافة إلى ذلك، تم تقييد عدد ونوع ومواقع أجهزة الطرد المركزي التي يمكن أن تمتلكها الحكومة الإيرانية، مع إخضاعها للرقابة.
وانسحب ترامب عام 2018 من الاتفاق، قائلاً إن استمرار بقاء الولايات المتحدة في هذا الاتفاق سيجعل إيران «على أعتاب أخطر أسلحة في العالم».
وتابعت «واشنطن بوست» مقارنة انتقادات ترامب لاتفاق أوباما مع بنود مذكرة التفاهم الجديدة بين طهران وواشنطن.
رفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة
كتب ترامب عام 2018 على وسائل التواصل الاجتماعي أن أوباما والديمقراطيين منحوا إيران 150 مليار دولار.
في المقابل، قدّرت وزارتا الخزانة والخارجية الأميردكيتان حينها أن الحجم الحقيقي للموارد المالية القابلة للاستخدام لدى إيران يقارب 50 مليار دولار.
وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أن تفاهم ترامب يتضمن أيضًا خطة لتخفيف العقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.
وبحسب المادة السابعة من مذكرة التفاهم، تلتزم الولايات المتحدة برفع جميع أنواع العقوبات المفروضة على إيران، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن الدولي، وقرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجميع العقوبات الأميركية الأحادية سواء الأولية أو الثانوية، وفق جدول زمني للاتفاق النهائي.
وقال مسؤول أميركي رفيع، رفض الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع، إن إيران ستتمكن من الوصول إلى أصولها المجمدة إذا نفذت بنود مذكرة التفاهم من جانب قيادتها.
كما أشارت الصحيفة إلى تصاعد الانتقادات من الحزبين ضد تفاهم ترامب مع إيران.
وأضافت «واشنطن بوست» أن المادة 11 من التفاهم تنص على أن الولايات المتحدة ستجعل الأصول والأموال الإيرانية المجمدة أو المقيدة «متاحة بالكامل» لإيران، وهو ما يشبه اتفاق أوباما.
وكان ترامب قد قال عند انسحابه من برجام عام 2018: «بعد رفع العقوبات، استخدمت الحكومة الديكتاتورية (الإيرانية) أموالها الجديدة لتطوير صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية، ودعم الإرهاب، وزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط وخارجه».
ومع ذلك، يبدو أن بنود مذكرة التفاهم الأخيرة لا تتماشى مع المواقف التي أعلنها ترامب عند انسحابه من الاتفاق السابق (2015).
وأشارت «واشنطن بوست» إلى أنه رغم صعوبة مقارنة الجوانب المالية بين الاتفاقين بسبب نقص التفاصيل، فإن ترامب يتبنى حاليًا نهجًا مشابهًا لاتفاق 2015 فيما يتعلق بالإفراج عن أصول إيران.
وبحسب المادة السادسة من مذكرة التفاهم، تلتزم الولايات المتحدة بالتعاون مع شركائها الإقليميين لوضع خطة نهائية ومتفق عليها بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية في إيران.
وأكد البيت الأبيض أن هذه الأموال لن تُموَّل من ضرائب المواطنين الأميركيين.
قضية إرسال الأموال النقدية إلى إيران
اتهم ترامب خلال السنوات الماضية إدارة أوباما مرارًا بأنها قامت، في إطار "اتفاق 2015"، بنقل 1.7 مليار دولار نقدًا إلى إيران عبر طائرة.
وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أن تصريحات ترامب تشير إلى اتفاق عام 2016، تم بموجبه إعادة 400 مليون دولار من أصل المبلغ و1.3 مليار دولار فوائد إلى إيران. وكان ذلك مرتبطًا بتسوية نزاع مالي استمر لعقود بين طهران وواشنطن.
وفي سبعينيات القرن الماضي، دفعت الحكومة الإيرانية آنذاك 400 مليون دولار لشراء معدات عسكرية أميركية، لكن بعد قطع العلاقات بين الطرفين لم يتم تسليم تلك المعدات.
وجرى إعادة الدفعة الأولى من هذا المبلغ، أي 400 مليون دولار، في اليوم نفسه الذي أفرجت فيه إيران عن أربعة مواطنين أميركيين، من بينهم الصحافي الأميركي الإيراني، جيسون رضائيان.
وقد وصف بعض المنتقدين هذه الخطوة بأنها «دفع فدية»، بينما أكدت السلطات الأميركية أن تزامن الحدثين كان مصادفة.
ويعتبر ناشطون حقوقيون أن احتجاز إيران لمواطنين أجانب هو «احتجاز رهائن حكومي»، ويقولون إن الحكومة تستخدم هذا الأسلوب للضغط على الدول الأخرى وانتزاع تنازلات منها.
القدرات النووية الإيرانية
ذكرت «واشنطن بوست» أن "اتفاق أوباما" كان وثيقة فنية من 18 صفحة تتضمن تفاصيل دقيقة حول قيود تخصيب اليورانيوم، واستخدام المنشآت النووية، وأبحاث وتطوير أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، وتشغيل المفاعلات، إضافة إلى آليات التفتيش والرقابة الدولية.
وفي المقابل، فإن مذكرة التفاهم الحالية لا تتضمن سوى إشارات عامة للملف النووي، بينما تُترك التفاصيل للمفاوضات اللاحقة.
وبحسب المادة الثامنة من مذكرة التفاهم، تؤكد إيران أنها لن تنتج أو تحصل على سلاح نووي، كما يتعهد الطرفان باتخاذ قرار بشأن مصير المواد المخصبة.
وقال مسؤول أميركي رفيع إن الحد الأدنى المطلوب من واشنطن هو أن يتم تقليل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب عبر «التخفيف» (dilution).
كما نقل موقع «أكسيوس» في 12 يونيو الجاري أن ترامب وافق ضمن مساعيه لحل الملف النووي على خطة تسمح بتخفيف مخزون اليورانيوم عالي التخصيب داخل إيران نفسها، وبإشراف مفتشي الأمم المتحدة.
البرنامج الصاروخي والشبكات الوكيلة لإيران
انتقد ترامب أيضًا صمت "الاتفاق السابق" تجاه البرنامج الصاروخي الإيراني وعدم كفاية آليات التفتيش لمنع أي خروقات محتملة، ووجود ما يُعرف ببنود «الغروب» التي كانت تنتهي معها قيود الاتفاق بعد فترة زمنية معينة، إضافة إلى تجاهل أنشطة إيران الإقليمية ودعمها للجماعات المسلحة، واعتبرها من أبرز نقاط ضعف الاتفاق.
ومع ذلك، ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أنه ضمن إطار الاتفاق الذي يطرحه ترامب، لا يزال غير واضح ما إذا كانت طهران ستُجبر على قبول قيود على برنامج صواريخها الباليستية أم لا.
وأعلن ترامب مؤخرًا خلال قمة مجموعة السبع أن الولايات المتحدة ستناقش، ضمن «مسار موازٍ» وبمشاركة الدول الخليجية، القضايا غير النووية، بما في ذلك الصواريخ الباليستية التقليدية.
وأضاف: «الصواريخ ليست المشكلة الأساسية. الصواريخ قد تصيب هدفًا صغيرًا، لكنها لا تفجر العالم».
كما نقلت وكالة "رويترز"، في 16 يونيو الجاري، أن المسألتين اللتين ذكرهما ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، كأسباب لبدء الحرب، وهما دعم إيران للجماعات الوكيلة وبرنامجها الصاروخي، لا تبدوان على ما يبدو ضمن جدول أعمال المفاوضات المستقبلية.