ووفقًا لشهادات المواطنين، فقد اقترب ثمن هاتف محمول، أو حاسوب محمول (لابتوب)، أو دراجة نارية "عادية" من حاجز المليار تومان.
وتعكس روايات السُّكان حالة من الركود تضرب أسواق الهواتف والأجهزة المنزلية؛ فبالتزامن مع قفزة الأسعار، تراجع الطلب بشكل حاد نتيجة الانهيار الكبير في القدرة الشرائية للأسر.
وفي هذا السياق، أفاد أحد بائعي الهواتف المحمولة، في رسالة لـ "إيران إنترناشيونال"، بأنه نادرًا ما يبيع هاتفًا ذكيًا الآن بسبب الغلاء الفاحش، وأن الزبائن باتوا يقصدون متجره غالبًا لشراء "الأغطية وواقيات الشاشة" فقط.
وأوضح مواطن آخر أن هاتف "سامسونغ S25 FE"، الذي يُصنف كطراز متوسط أو رائد اقتصادي، كان سعره 60 مليون تومان في فبراير (شباط) الماضي، لكنه يباع الآن بأكثر من 150 مليون تومان، مسجلاً زيادة بنسبة 150 في المائة.
وتشير العديد من الرسائل الأخرى إلى أن الهواتف، التي يطمح المواطنون لشرائها، هي من الفئة "المتوسطة"، إلا أنها تُعرض اليوم بأسعار كانت مخصصة سابقًا للهواتف الفاخرة وعالية المواصفات.
ويُذكر أن الهواتف المتوسطة المتاحة في السوق الإيرانية صينية الصنع غالبًا. ورغم أن البضائع الصينية المستوردة إلى إيران كانت تحظى برواج واسع في السنوات الماضية؛ بسبب رخص ثمنها، فإن العديد من المواطنين يؤكدون أنهم لم يعودوا قادرين حتى على شراء هذه الهواتف الرخيصة والرديئة الجودة.
وقال أحد المتابعين: "قبل أسبوعين كان سعر الهاتف المتوسط 25 مليون تومان، والآن أصبح نحو 60 مليونًا. يبدو أنني سأودع حلم شراء هاتف جديد".
وبحسب المواطنين، فإن العديد من السلع التي كانت تُصنف حتى سنوات قليلة مضت كاحتياجات يومية للطبقة الوسطى، تحولت الآن إلى "سلع استثمارية" بعيدة المنال.
الأسعار تتسابق والمواطنون يتخلفون عن الركب
لا تقتصر روايات الأسواق على ارتفاع سعر الدولار أو التضخم فحسب، بل تركز بشكل رئيسي على غياب الاستقرار وعدم القدرة على التنبؤ، مما يحرم المواطنين من التخطيط لشراء أي سلع عبر مدخراتهم المحدودة.
وروى أحد المواطنين أنه طلب هاتفًا محمولاً عبر الإنترنت في 22 أبريل (نيسان) الماضي بسعر 22 مليون تومان، إلا أن عملية الشراء أُلغيت، واستغرق استرداد المبلغ إلى حسابه 72 ساعة. وأضاف أنه خلال هذه الأيام الثلاثة فقط، ارتفع سعر الهاتف نفسه إلى 26 مليون تومان، ثم وصل إلى 30 مليونًا بعد أسبوع واحد.
وقال مواطن آخر إن هاتفًا اشتراه قبل أربعة أشهر بمبلغ 32 مليون تومان، يُباع الآن بـ 80 مليون تومان، أي بزيادة بلغت 150 في المائة. وبحسب المستهلكين، فإن الهواتف الاقتصادية التي لا تتوفر على ميزات خاصة، تُسعّر في المواقع المختلفة بما لا يقل عن 30 مليون تومان. أما الهواتف الأحدث والأكثر فخامة، فتشهد قفزات سعرية أكثر حدة بسبب ارتفاع أسعار الدولار.
وعلى سبيل المثال، كان سعر هاتف "آيفون 16" قبل الحرب 110 ملايين تومان، لينتقل الآن إلى 270 مليونًا، مسجلاً نموًا بنحو 145 في المائة. في حين أن هاتف "آيفون 17 برو ماكس"، الذي يبلغ سعره العالمي نحو 1200 دولار، يُفترض أن يُسعّر في إيران بنحو 230 مليون تومان باحتساب سعر الدولار عند 190 ألف تومان، لكنه يُباع في الأسواق بنحو 700 مليون تومان.
ومع ذلك، فإن هذه الطفرة السعرية لا تعود لانتعاش السوق، بل أدخلته في حالة ركود تضخمي عجز معها المشتري والبائع على حد سواء. وكتب أحد تجار الهواتف في طهران: "من الصباح وحتى المساء، لم أجنِ حتى مليون تومان واحد. وأمامي 15 يومًا فقط لدفع إيجار المحل".
سوق الأجهزة المنزلية وتكلفة باهظة لتجهيز منزل بسيط
لم تسلم سوق الأجهزة المنزلية والكهربائية من هذه الطفرة، حتى في الموديلات المصنعة محليًا. إذ يباع براد (ثلاجة) "هيماليا" الإيراني المزدوج الآن بـ 250 مليون تومان، مسجلاً زيادة بنسبة 108 في المائة مقارنة بفترة ما قبل رأس السنة الإيرانية (عيد النوروز). كما ارتفع سعر غسالة الملابس (سعة 9 كيلوغرامات) من العلامة التجارية الإيرانية "باكشوما" من 60 مليونًا إلى 100 مليون تومان، بنسبة نمو بلغت 66 في المائة.
وعلّق أحد التجار النشطين في سوق الأجهزة المنزلية على هذا الغلاء قائلاً: "يأتي الشباب المقبلون على الزواج لمشاهدة أسعار البرادات، والأفران، والغسالات، ثم يغادرون المتجر بأيدٍ فارغة وعيون دامعة".
وفي السياق ذاته، استعرضت صحيفة "دنياي اقتصاد" الإيرانية، في تقرير لها، قفزة أسعار الأجهزة المنزلية خلال العقد الماضي، مشيرة إلى أن أسعار البرادات والمجمدات ارتفعت بنسبة 5614 في المائة، والتلفزيونات بنسبة 5400 في المائة، والغسالات بنسبة 4400 في المائة، والمكنسة الكهربائية بنسبة 3232 في المائة مقارنة بعام 2014.
ووفقًا للتقرير، فإن متوسط سعر أربع سلع أساسية فقط (براد، تلفزيون، مكنسة، وغسالة) من الصنع "الإيراني" بلغ أواخر العام الماضي نحو 375 مليون تومان، علمًا بأن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى لسلع ذات جودة منخفضة.
وأشار أحد المواطنين، في رسالته، إلى قيمة "قرض الزواج" البالغة 300 مليون تومان لهذا العام، والمسافة الشاسعة التي تفصله عن معدلات التضخم، قائلاً: "لقد تزوجت حديثًا. سعر البراد وحده، وهو حاجة أساسية لكل منزل، بلغ 440 مليون تومان. أين يمكن لقرض الزواج أن يغطي هذه التكاليف؟". وطبقًا لإفادات المواطنين، فإن صرف قروض الزواج توقف تقريبًا في معظم البنوك خلال الأسابيع الأخيرة، وبات الحصول عليه يتطلب الانتظار في طوابير طويلة تمتد لأشهر.
كما ذكر مواطن آخر يعيش على أجر عمالي، أنه يحتاج إلى ملياري تومان على الأقل لتأمين "جهاز ابنته" العروس، مؤكدًا أن هذا الأمر تحول إلى "كابوس" يؤرقه.
ولم يتوقف الأمر عند صعوبة شراء السلع الجديدة بسبب تقلبات العملة وارتفاع تكاليف الاستيراد، بل امتدت الأزمة لتشمل الصيانة؛ حيث كتب أحد المواطنين: "بسبب تذبذب التيار الكهربائي في 7 مايو (أيار) الماضي، تعطل برادنا (ماركة سامسونغ سایدبای ساید)، وإلى جانب ندرة القطعة الأصلية، أبلغونا بأن تكلفة التصليح بقطعة صينية تتجاوز 45 مليون تومان".
وأشار فني صيانة آخر إلى أن سعر الضاغط (الكمبروسر) الصيني رديء الجودة وحده وصل إلى 20 مليون تومان.
والجدير بالذكر أن الحد الأدنى للأجور المقررة للعمال في إيران (العام الحالي) يبلغ نحو 16 مليون تومان، في حين يتقاضى معظم موظفي القطاع الخاص رواتب تتراوح بين 25 و30 مليون تومان شهريًا.
وهذه الفجوة العميقة بین الأجور والتكاليف الحقيقية للمعيشة في إيران دفعت الكثير من المواطنين ليس فقط إلى شطب السفر والترفيه اليومي من حياتهم، بل وإلى الاستغناء عن نفقات أساسية وضرورية كالعلاج والمواد الغذائية الغنية بالبروتين.