واشنطن: النظام الإيراني يخصص موارد الشعب للأسلحة والجماعات شبه العسكرية


ذكرت وزارة الخارجية الأميركية، في إشارة إلى العقوبات الجديدة المفروضة على مسؤولين إيرانيين متورطين في القمع العنيف للاحتجاجات، أن الشعب الإيراني خرج إلى الشوارع للاحتجاج على 47 عامًا من الإدارة الاقتصادية الكارثية.
وأضافت: "بينما يواصل النظام الإيراني تمويل الجماعات شبه العسكرية في الخارج وبرامجه العسكرية الواسعة على حساب تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين".
وتابعت: "إن الإيرانيين يواجهون، نتيجة تبديد ثروات البلاد على أنشطة النظام المدمرة، تضخمًا متزايدًا، وبنية تحتية متدهورة، ونقصًا في المياه والكهرباء".
وأكد البيان أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب الشعب الإيراني في احتجاجه على النظام الفاسد والقمعي في طهران، مشيرةً إلى أن ستة مسؤولين إيرانيين يشرفون على القوات الأمنية المسؤولة عن القمع العنيف للمحتجين، بالإضافة إلى مستثمر إيراني اختلس مليارات الدولارات من أموال الشعب، خضعوا للعقوبات.
وأشارت وزارة الخارجية الأميركية إلى أن واشنطن ستواصل سياسة الضغط الأقصى ضد طهران، بهدف حرمان النظام الإيراني من الموارد المالية اللازمة للقيام بأنشطة مهددة للاستقرار ومدمرة.


كتبت صحيفة "تلغراف"، في تقرير لها، أن ما يحدث في إيران ليس حربًا، بل يمثل إبادة جماعية بمقياس قريب من مجزرة بابي يار، أكبر مجزرة هولوكوست التي وقعت في 28 و30 سبتمبر (أيلول) 1941، حيث قتل النازيون 33,771 يهوديًا.
وأفادت "تلغراف" بأن العدد الدقيق للضحايا الأبرياء في إيران لا يزال غير محدد، إلا أنه يبدو أن النظام قد قتل حتى الآن عددًا من المدنيين يفوق عدد ضحايا غزة، أو على الأقل في طريقه لتجاوزها.
وأكدت الصحيفة أن وضع حرب غزة والمجزرة في إيران لا يمكن مقارنتهما؛ حيث كانت خسائر الفلسطينيين نتيجة غير مقصودة لصراع حضري مع عدو بدأ الحرب واستغل كل وفاة لأغراض دعائية، بينما يركز النظام الإيراني على استهداف المدنيين غير المسلحين الذين يطالبون بالحرية، بقمع قاتل وممنهج.

قال محامٍ لـ "إيران إنترناشيونال" إن بعض عائلات القتلى في كرج وطهران، إلى جانب طلب المال وإجبارهم على إعلان ذويهم كأعضاء في "الباسيج" لتسليم الجثث، طُلب منهم أيضًا توقيع ورقة يُقدم فيها القاتل على أنه "إرهابي" وأن العائلة "تطلب القصاص".
وأضاف هذا المحامي، الذي لا يمكن الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، أن بعض العائلات التي لم تستطع دفع المال للحصول على جثث ذويها، اضطرت إلى كتابة مستند على ورق رسمي باسم "ديوان العدلية" في المحافظة، يتضمن أنه في حال اعتُقل «الإرهابي المسؤول عن القتل»، فإنهم يطالبون منذ الآن بالقصاص منه.
وبحسب هذا المحامي الحقوقي، فإن هذا الإجراء يتيح للسلطات الأمنية إمكانية نسب قتل أي من المتظاهرين القتلى إلى الأشخاص المعتقلين أو إلى المعتقلين المحتملين في المستقبل.
وأكد أن على هذا الأساس، يمكن القول بشكل جدي إن حياة كل متظاهر معتقل معرضة للخطر.
وأضاف أن وجود مثل هذه المستندات المفروضة يتيح احتمالاً لسيناريو قضائي يتم فيه نسب القتل للمعتقلين، وهو سيناريو قد يؤدي إلى صدور أحكام شديدة، بما في ذلك القصاص (الإعدام).
ويجدر بالذكر أن العائلات لم توقع هذه الأوراق طواعية، بل تحت الضغط والتهديد والخوف.
وقال هذا المحامي: «في الأيام الأخيرة واجهت حالات طُلب فيها من عائلات المعتقلين، لتسريع إطلاق سراح ذويهم، أن يقدموا للأمن صورًا لمنشورات لأشخاص يعرفونهم على وسائل التواصل الاجتماعي كتبوا فيها شيئًاضد النظام».
روايات مشابهة
في يوم الخميس 29 يناير (كانون الثاني)، كتب علي شريف زاده أردكاني، محامٍ، على منصة إكس: «بعد الحديث مع عائلات المعتقلين، تبين أن ذويهم تعرضوا للضرب المبرح بعد الاعتقال. كان يتم ضربهم بعينين ويدين معصوبتين، ضربات قوية على البطن والأرجل.. وكانوا مضطرين لتوقيع أوراق اعتراف قسري. كل هذه الاعترافات الناتجة عن التعذيب لا يمكن أن تكون أساسًا لإصدار أحكام».
وبحسب التقارير، فإن عدد المعتقلين خلال الاحتجاجات وما تلاها كبير جدًا.
وروت زوجة أحد الأشخاص الذين قُتلوا خلال الاحتجاجات في كرج، ما حدث قائلة: «في مساء 9 يناير، ذهبت مع زوجي وابنتي إلى التظاهرات. وسط الزحام والشعارات والنيران التي كانت مشتعلة في بعض الأماكن، أصابتني بعض الطلقات الصغيرة في جانبي، وكان هناك أحد عناصر الباسيج يرتدي ملابس مدنية ويحمل سكينً متجهًا نحونا، فحاول زوجي الدفاع عنا ووضع نفسه بيننا وبين عدد من المتظاهرين الآخرين وعنصر الباسيج المسلح».
وأضافت هذه الزوجة المطالبة بالعدالة: «كان زوجي يصرخ: لا تضربوا! لا تطلقوا الطلقات الصغيرة… وفجأة رأيناه يسقط على ركبتيه على الأرض ويتساقط الدم. وقد أصابت عنقه رصاصة حربية».
وتابعت: «بصعوبة، حملناه إلى زقاق قريب، واستخدمنا سيارة أحد المارة للوصول إلى المستشفى، لكنه كان قد فارق الحياة».
وقالت هذه المرأة إنه في يوم 12 يناير، عندما ذهبوا لاستلام جثمانه ودفنه من الطب الشرعي في كرج، طلب منهم اثنان من عناصر الباسيج المسنين توقيع طلب بالقصاص ممن وصفاهم بـ «الإرهابيين»: «في البداية رفضت، لكن هددوني بخطر يهدد ابنتي المراهقة وابني الصغير، وكذلك بالدفن الجماعي لزوجي مع قتلى آخرين، فاضطرت لتوقيع ذلك المستند عن خوف».
وأضافت الزوجة المطالبة بالعدالة: «الآن، بعيدًا عن ألم فقدان زوجي، أشعر بالذنب وأعتقد أنني خنت دم زوجي».
الاختلاف عن تعامل السلطات مع المعتقلين في 2022
كانت "إيران إنترناشيونال" قد أفادت بأن ما لا يقل عن 36,500 شخص قتلوا خلال الاحتجاجات الشعبية الواسعة في إيران بأوامر النظام.
وقال محامٍ شارك سابقًا في تمثيل عائلات ضحايا احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية"، إن ما حدث في الأسابيع الأخيرة مع المعتقلين مختلف تمامًا عن الانتفاضة في 2022.
وأضاف أن غالبية المعتقلين لم يتصلوا بعائلاتهم، وبعض المكالمات كانت لبضع ثوانٍ فقط لإبلاغهم أنهم أحياء، ومكان احتجازهم غالبًا غير معروف.
وأشار إلى أن تهديدات المسؤولين القضائيين وعدم وضوح وضع المعتقلين يزيد احتمال تكرار المجازر، وهذه المرة داخل السجون.
وفي 27 يناير، أعلنت السلطة القضائية الإيرانية محاكمة رجل وامرأة بتهمة قتل ضابط شرطة في منطقة ملارد يوم 7 يناير، أي بعد 20 يومًا فقط من الحادث، وهو ما كشف عن استعجال السلطة القضائية للانتقام من المتظاهرين، وفق المحامي الذي تحدث مع "إيران إنترناشيونال".
وأفادت السلطات القضائية بأن محمد عباسي متهم، إلى جانب "القتل المباشر"، بتهم مثل "التعاون مع إسرائيل وأميركا والجماعات المعادية وعملائهم".
وأشار المحامي إلى أن هناك احتمالًا لنسب تهم مثل قتل المتظاهرين والتعاون مع الدول المعادية لأي من المعتقلين.
وسبق لـ "إيران إنترناشيونال" أن أفادت بأن غالبية المعتقلين لم تُعلن لهم أو لعائلاتهم تهمهم، ولا يُعرف عددهم أو مكان احتجازهم.
وقال محامٍ آخر: «لا أستبعد أن يكون المعتقلون حُكم عليهم بالإعدام غيابيًا في محاكمات قصيرة جدًا، ونُفّذ الحكم فورًا، وادّعى أنهم قتلوا في التظاهرات».
وحذّر محامو حقوق الإنسان من أن فرض توقيع طلب القصاص من "الإرهابيين القاتلين" لا يقتصر على "تحريف الحقيقة ونقل المسؤولية عن القتل من الحكومة إلى المتظاهرين"، بل يمكن أن يؤدي مباشرة إلى صدور أحكام الإعدام ضد المعتقلين.
وأشار التقرير إلى أنه خلال احتجاجات 2022، حُكم على بعض المتظاهرين بالإعدام بتهم مثل "محاربة الله" و"القصاص"، وهو النمط الذي يظهر الآن بوادر إعادة إنتاجه عبر الضغط على العائلات وتدبير ملفات قضائية.

أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على وزير الداخلية الإيراني، إسكندر مؤمني، في إطار إجراءات جديدة تستهدف مسؤولين إيرانيين متورطين في القمع العنيف للاحتجاجات.
ووفقًا لوزارة الخزانة الأميركية، فإن مؤمني يشرف على قوى الأمن الداخلي، وهي الجهة المسؤولة عن مقتل آلاف المتظاهرين السلميين.
وقال وزير الخزانة الأميركي إن النظام الإيراني، بدلًا من بناء إيران مزدهرة، أنفق عائدات النفط على البرنامج النووي والصواريخ والقوى الوكيلة.
وأضاف أن ترامب يقف إلى جانب الشعب الإيراني، وأن وزارة الخزانة ستواصل استهداف الشبكات المالية ونخب النظام الفاسدة.
كما أوضحت وزارة الخزانة الأميركية أن العقوبات الجديدة فُرضت بموجب أوامر تنفيذية مرتبطة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ومكافحة الإرهاب، والقطاعات المالية والنفطية الإيرانية، وذلك ضمن سياسة الضغط الأقصى التي تتبعها الإدارة الأميركية.

أفادت صحيفة "ديلي إكسبريس"، استنادًا إلى خرائط مسارات الطيران، بأنه تزامنًا مع تصاعد التوتر مع إيران، تم إرسال عدد من مقاتلات إف 35 آي وإي إيه 18 جي الأميركية، التي كانت قد شاركت سابقًا في مهام مرتبطة بفنزويلا، إلى الشرق الأوسط.
وأضافت أن هذه الطائرات أقلعت من بورتوريكو وفيرجينيا، ووصلت مساء يوم الخميس 29 يناير (كانون الثاني) إلى إسبانيا بدعم من طائرات تزويد بالوقود جوًا.
وبحسب "ديلي إكسبريس"، فقد كانت أسراب من مقاتلات إف 35 سي وإف إيه 18 سوبر هورنت وإي إيه 18 جي غرولر الأميركية قد تمركزت في وقت سابق على متن حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن". وتوجد الحاملة حاليًا، إلى جانب ثلاث سفن مرافقة، ضمن نطاق مسؤولية القيادة المركزية للولايات المتحدة "سنتكوم".
كما ذكرت الصحيفة أن نحو 12 مقاتلة من طراز إف 15 إي سترايك إيغل الأميركية نُقلت إلى قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن. ويرى خبراء أن هذه التحركات تنسجم مع نمط تعزيز الوجود والقدرات العسكرية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

أفادت المعلومات الواردة إلى "إيران إنترناشيونال"، بأن أحد كبار مسؤولي حكومة الرئيس الإيراني، مسعود بزشکیان، قدّم في اجتماع سري تقريرًا حول تقديرات بعض الأجهزة الأمنية بشأن مجزرة 8 و9 يناير (كانون الثاني)، والتي تختلف بشكل كبير عن البيانات الرسمية للنظام.
ووفقًا لهذه المعلومات، التي وصلت إلى "إيران إنترناشيونال" يوم الجمعة 30 يناير، فقد قال المسؤول في الاجتماع: "تم منح القوات المشاركة صلاحيات كاملة وشيكًا على بياض للهجوم؛ بهدف بث أقصى درجات الرعب لمنع تكرار الاحتجاجات".
وأضاف أن المرشد الإيراني، علي خامنئي، أراد أن تضع قوات القمع "نقطة نهاية لأمور مثل الثورة الملونة في إيران".
وتشير عبارة "الثورة الملونة" إلى التحولات السياسية التي تعتمد على احتجاجات واسعة وسلمية في الغالب، وتستخدم التعبئة الشعبية والعصيان المدني والضغط السياسي لتغيير الحكومة أو تبديل السلطة دون حرب أو انقلاب كلاسيكي.
وكانت هيئة تحرير "إيران إنترناشيونال" قد أعلنت في بيان لها، يوم الأحد 25 يناير، أن أكثر من 36,500 شخص قتلوا خلال القمع المنظم للاحتجاجات الشعبية الواسعة في إيران، بأوامر خامنئي.
وبحسب البيان، فإنه بعد خطاب خامنئي في 9 يناير، استخدمت في جلسات التوجيه والمداولات بين قادة الحرس الثوري عبارات مثل: "النصر بالرعب" (أي: النصر من خلال بث الرعب)، "قاتلوهم حتی لا تکون فتنة" (قاتلوهم حتى لا تقوم فتنة أخرى).
وقد تم استخدام هذه العبارات أيضًا يوم 9 يناير في قنوات تلغرام التابعة لما يُعرف بالمجموعات "القيمية".
حضور قوات القمع من الخارج
أشار المسؤول إلى أن الأجهزة الأمنية كانت تعلم منذ البداية أنه لم يكن هناك أي عنصر أجنبي مدرّب مرتبط بالولايات المتحدة أو إسرائيل في هذه الاحتجاجات.
وأضاف: "حجم الفاجعة لم يكن نتيجة غضب المتظاهرين فقط، بل قرارًا من القيادة المشتركة التي نشّطت قوات مثل الحرس والباسيج، وكذلك قوات قدس التي جُهّزت من الشيشان والعراق وباكستان والسودان لتدخل عند الحاجة".
وفي الأسابيع الأخيرة، وصفت السلطات الإيرانية المحتجين بـ "الإرهابيين" و"المخربين"، ونسبت الاحتجاجات الشعبية الواسعة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي المقابل، نُشرت عدة تقارير حول استخدام النظام الإيراني قوات أجنبية لقمع الاحتجاجات الشعبية الواسعة.
وفي 16 يناير الجاري، ذكرت شبكة "CNN" الإخبارية الأميركية أن آلاف الميليشيات العراقية دخلت إيران في الأسابيع الأخيرة لمساعدة النظام في قمع المتظاهرين.
وقد نشرت "إيران إنترناشيونال" سابقًا تقريرًا بهذا الخصوص.
محاولة النظام للسيطرة على الرواية الرسمية
أشار المسؤول إلى أن "إطلاق النار بلا حدود وبدون تمييز، وحرق أماكن مختلفة، وقطع الإنترنت في الوقت نفسه لتمكين إدارة الأخبار" كانت من بين الإجراءات التي استخدمها النظام لفرض الرواية الرسمية.
وأضاف: "وتم سرد القصة على أن قوات مدربة إسرائيلية هاجمت الحكومة والشعب، وأن غالبية القتلى من الحرس والباسيج والشرطة والمواطنين المحتجين، جميعهم أُعلنوا شهداء".
وتشير التقارير والأدلة إلى أنه في العديد من المدن، تم أخذ مبالغ مالية كبيرة من العائلات لتسليم جثث القتلى تحت مسمى "ثمن الرصاص".
كما أنه في بعض الحالات، تم إعلان القتلى "باسيجيين" و"شهداء" رغم معارضة العائلات.
تداعيات القمع المنظم
شكّلت المجازر المنظمة للمحتجين ومشاركة الحرس الثوري المباشرة وقواته التابعة تحديًا كبيرًا لشرعية النظام الإيراني داخليًا ودوليًا أكثر من أي وقت مضى.
وفي السياق ذاته، أعلن الاتحاد الأوروبي، يوم الخميس 29 يناير، إدراج الحرس الثوري في قائمة المنظمات الإرهابية.