وشارك نحو 100 ألف شخص في الاستطلاع خلال 24 ساعة، وأجابوا عن سؤال: "إذا أتيحت لك الفرصة، هل ستهاجر من إيران؟".
وأظهرت نتائج الاستطلاع أن 83 في المائة من المشاركين اختاروا "نعم"، مقابل 17 في المائة اختاروا "لا".
وتقدم هذه النسبة، إلى جانب التعليقات التوضيحية للمستخدمين، صورة عن الحالة الذهنية لشريحة كبيرة من المجتمع الإيراني، تجمع بين اليأس الاقتصادي، والإرهاق السياسي، والتعلق بالوطن، والتردد بين البقاء والمغادرة.
وتشمل العوامل التي تدفع الإيرانيين إلى الهجرة الأوضاع الاقتصادية، والقيود الاجتماعية، والوضع السياسي، وغموض آفاق المستقبل.
وكان معهد "إستاسيس"، ومقره واشنطن، قد أجرى في مارس (آذار) 2024 استطلاعًا أظهر أن نحو 76 في المائة من الإيرانيين يعتقدون أن الشباب في إيران لا يرون مستقبلاً ناجحًا لأنفسهم. وبلغت هذه النسبة 82 في المائة بين الفئة العمرية من 18 إلى 29 عامًا.
اليأس في ظل الأزمة الاقتصادية
أشار عدد كبير من المستخدمين، في حديثهم عن قرار الهجرة أو البقاء، إلى أن المشكلة الأساسية تتمثل في العجز عن تأمين حياة طبيعية في إيران.
وكتب أحد المواطنين: "في السابق لم يكن لدينا المال للهجرة، والآن لا نملك المال للعيش في إيران".
وقال آخر إنه مع وصول سعر الدولار إلى 200 ألف تومان، لم يعد بإمكانه حتى الوصول إلى الحدود.
وأكد كثيرون أنهم لو امتلكوا المال، لهاجروا من أجل "حياة طبيعية، دون قلق، وبمستقبل يمكن التنبؤ به".
وبحسب بيانات الأمم المتحدة، بلغ عدد اللاجئين الإيرانيين، منذ بدء تسجيل طلبات اللجوء الرسمية عام 1980، نحو 4 ملايين و142 ألف شخص.
ووفقًا لتقديرات "إيران إنترناشيونال"، يُقدّر أن نحو مليوني إيراني آخرين غادروا البلاد عبر الهجرة القانونية، إضافة إلى اللاجئين.
ومع بلوغ عدد سكان إيران نحو 87 مليون نسمة، فإن واحدًا من كل 15 إيرانيًا يعيش خارج البلاد. فيما تقدر مصادر غير رسمية عدد الإيرانيين من الجيل الأول المقيمين خارج البلاد بأكثر من 8 ملايين شخص.
وظلت إيران خلال السنوات الأخيرة في صدارة الدول المصدرة للطلاب إلى الولايات المتحدة وأوروبا، كما تحتل المرتبة الرابعة عالميًا في إرسال طلاب الدكتوراه إلى الولايات المتحدة، وهو ما يشير إلى استنزاف منهجي لرأس المال البشري.
تأييد واسع للهجرة بحثًا عن الكرامة وحياة بمستوى لائق
ركزت نسبة كبيرة من التعليقات على أن العمر والشباب فرصة لا تتكرر، وأن فرصة الاستمتاع بحياة بمستوى معيشي لائق محدودة.
وكتب أحدهم: "لدينا فرصة واحدة للحياة والشباب، ونتمنى أن نتمكن من قضائها في مكان نشعر فيه بالراحة".
وجاء في تعليق آخر: "أريد الهجرة من أجل حياة طبيعية وكرامة إنسانية. كنا وما زلنا نستحق أكثر من ذلك في وطننا".
ووصف بعض المستخدمين مدى رغبتهم في الهجرة بعبارات مثل: "نعم، حتى لو استطعت الذهاب من دون حقيبة وحتى سيرًا على الأقدام، فسأذهب".
وتكررت عبارة: "كم سنة نعيش حتى نظل ننتظر أن تتحسن إيران؟" مرات عديدة في التعليقات.
وقد دفعت الأزمات المستمرة في إيران كثيرًا من الإيرانيين إلى تحمل ألم البعد عن الأسرة والفوارق في اللغة والثقافة والمناخ، واعتبار الهجرة خيارًا جديًا من أجل مستقبل أفضل.
وكان ارتفاع التضخم، وتراجع القوة الشرائية، والبطالة أو نقص فرص العمل المناسبة، وتقلب سعر الصرف، وعدم القدرة على التخطيط على المدى الطويل، من أكثر الأسباب تكرارًا.
وكتب كثيرون أنهم، حتى مع امتلاكهم وظيفة ودخلاً، يشعرون بعدم وجود مستقبل اقتصادي واضح، وأن بإمكانهم تحقيق قدر أكبر من الاستقرار والرفاه في دول أخرى.
كما تكررت القيود السياسية، والشعور بانسداد أفق إصلاح الأوضاع، واليأس من تحسن ظروف الحكم، بصيغ مختلفة في التعليقات.
وكانت القيود على الحريات الفردية والاجتماعية، والضغوط الثقافية، وغياب البيئة المناسبة لحياة طبيعية، من الأسباب الأخرى التي تكررت كثيرًا.
وأشار آخرون إلى تدني جودة الحياة، وتلوث الهواء، والمشكلات التعليمية والصحية.
الهجرة ليست "خيارًا" بل "اضطرار"
في المقابل، وصف بعض المواطنين الهجرة بأنها "استسلام" أمام النظام الإيراني، وشددوا على البقاء والمقاومة.
وأشارت بعض التعليقات التي حظيت أيضًا بتفاعل إيجابي من مواطنين آخرين إلى أن نظرتهم إلى الهجرة تغيرت بعد الاحتجاجات وعمليات القتل في الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، وأنهم تعهدوا لأنفسهم بالبقاء والنضال والقيام بشيء ما.
وكتب أحد المواطنين في هذا السياق: "الهجرة تعني الاستسلام؛ بدلاً من ذلك، سنطرد الأجانب ونعيد بناء إيران".
وشدد مستخدم آخر قائلًا: "لا، من يجب أن يرحل هو النظام".
وأعاد عدد من المواطنين نشر عبارة "لماذا الرحيل؟ ابقَ واستعدها"، مستندين إلى أغنية "سرود زن" الشهيرة بصوت المغني مهدي يراحي.
وقد صدرت هذه الأغنية في ذروة "انتفاضة مهسا" (المرأة، الحياة، الحرية) في سبتمبر (أيلول) 2022، وتحولت إلى أحد رموز الاحتجاجات الشعبية.
الهجرة المشروطة
ربط كثيرون قرارهم ببقاء النظام الإيراني، فقال أحدهم: "إذا كانت إيران بخير، فلا، لكن مع وجود رجال الدين، نعم".
وقال آخر: "إذا استمر النظام الإيراني، فنعم".
وكتب ثالث: "إذا لم يتغير الوضع خلال الأشهر الستة المقبلة، فسأرحل".
وظهرت في بعض التعليقات أيضًا مشاعر الانسداد، ومن بينها قول أحد المواطنين: "حلمي أن أهاجر، لكنني لا أستطيع الرحيل ولا البقاء".
وقال مواطن آخر: "ليتني لم أُجبر على الهجرة قط".
ويرتبط معدل الهجرة بعدة عوامل، من بينها "عوامل الطرد من بلد المنشأ" و"عوامل الجذب في بلد المقصد".
وكان عالم الاجتماع الإيراني، حسين قاضيان، قد قال في مقابلة مطولة مع "إيران إنترناشيونال"، إن عوامل الطرد من بلد المنشأ لطالما لعبت دورًا أكبر من عوامل الجذب في بلد المقصد في قرارات الإيرانيين المتعلقة بالهجرة.
وبناءً على ذلك، قال إنه مع تزايد عوامل الطرد، فمن المنطقي توقع ارتفاع معدل الهجرة أيضًا.
أسباب عائلية وشخصية
أشار بعض المستخدمين في تعليقات الاستطلاع إلى أسباب عائلية وشخصية وراء قرارهم بالهجرة أو العدول عنها.
وقالت بعض النساء خصوصًا، رغم أنهن تجاوزن مرحلة بناء مستقبلهن، إنهن يشعرن بالقلق بشأن مستقبل أبنائهن: "أما أنا فقد فات الأوان بالنسبة لي، لكن إذا كان عليهم البقاء هنا، أتمنى أن أتمكن من إنقاذ أطفالي".
وقال مواطن آخر إنه لولا والدته، لكان قد غادر إيران قبل 20 عامًا.
إغلاق الطرق والتشاؤم بشأن مسار الهجرة
أدى تعثر إجراءات الهجرة بسبب إغلاق السفارات أيضًا إلى زيادة اليأس لدى بعض المواطنين.
ومنذ "حرب الـ 12 يومًا" مع إسرائيل في يونيو (حزيران) 2025، توقفت أو أصبحت أنشطة بعض السفارات الأجنبية في إيران محدودة، كما توقفت إجراءات إصدار التأشيرات بالنسبة إلى كثير من الإيرانيين قبل اكتمالها.
وقال عدد من المستخدمين إن الهجرة هي "الرغبة القلبية" للنظام الإيراني من أجل "طرد الإيرانيين المعارضين من وطنهم".
وفي المقابل، تحدث عدد من الذين سبق لهم الهجرة، في تعليقاتهم على استطلاع "إنستغرام"، عن تجاربهم الإيجابية، وشجعوا الآخرين على تحسين مهاراتهم اللغوية واتخاذ خطوات نحو الهجرة.
وكتب أحد المواطنين: "لقد هاجرت، لكن لو عدت إلى الماضي، لرحلت مرة أخرى".