وكتبت الوكالة الإيرانية، يوم الجمعة 3 يوليو (تموز)، بشأن تراجع حكومة بزشكيان عن متابعة تنفيذ مشروع القانون، أن "اجتماعًا تشاوريًا وحواريًا مع المجتمع المدني" عُقد في مكتب رئاسة الجمهورية لبحث أبعاد المشروع الذي اقترحته وزارة التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي، بحضور ممثلين عن التنظيمات الرسمية للعمال والمتقاعدين، وأصحاب العمل، وممثلي الأجهزة الحكومية.
وبحسب التقرير، فإن "الوزراء المعنيين تراجعوا عن متابعة المشروع بعد المعارضة الموحدة والمستندة إلى مبررات من الشركاء الاجتماعيين، وتقرر وقف تنفيذ مشروع القانون رسميًا".
وجاء تراجع الحكومة عن المشروع في وقت كان فيه عضو لجنة الشؤون الاجتماعية في البرلمان الإيراني، أحمد بيكدلي، قد صرح في 11 يونيو (حزيران) الماضي، لنادي الصحافيين الشباب بأنه "إذا وصل هذا المشروع إلى البرلمان، فسيُرفض بأغلبية ساحقة".
وكان قد أُعلن سابقًا أنه، وفقًا للمقترح الذي قدمه وزير التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي، أحمد ميدري، إلى وزارة الشؤون الاقتصادية والمالية، سيتم خفض حصة صاحب العمل من أقساط التأمين من 23 في المائة إلى 7 في المائة، على أن تُغطى النسبة المتبقية البالغة 16 في المائة من الإيرادات الضريبية.
وقال المنتقدون إن خفض مساهمة أصحاب العمل يعني عمليًا أن هذا العبء سيتحمله العمال في النهاية، كما سيؤدي إلى زيادة الضغط على دافعي الضرائب.
وتشير بعض التقارير إلى أنه، بسبب الأزمة الاقتصادية في إيران، ولا سيما بعد الحرب التي استمرت 40 يومًا، وأدت إلى إغلاق عدد كبير من الوحدات الإنتاجية والشركات أو تعرضها لأزمات مالية حادة، فمن المتوقع ألا تتمكن الحكومة من تحقيق الإيرادات المدرجة في موازنة العام الحالي.
وفي مشروع موازنة العام الجاري، بلغت حصة الإيرادات الضريبية 57 في المائة من إجمالي الموارد العامة للدولة، و74 في المائة من تمويل النفقات الجارية، كما ارتفعت الإيرادات الضريبية المتوقعة بنحو 42 في المائة مقارنة بالعام الماضي.
ووفقًا أيضًا لمقترح ميدري، كان من المقرر تحويل جميع الموارد الناتجة عن أقساط التأمين والإيرادات الضريبية المرتبطة بها إلى الخزانة العامة للدولة، وأن تُدفع رواتب المتقاعدين من هذه الموارد. كما نص المقترح على نقل ملكية أصول وممتلكات منظمة الضمان الاجتماعي وصناديقها التابعة، بعد فصلها، إلى الدولة ممثلة بوزارة الشؤون الاقتصادية والمالية.
وخلال السنوات الأخيرة، طرحت السلطات الحكومية مرارًا فكرة تغيير هيكل نظام التأمينات الاجتماعية بسبب أزمة اختلال التوازن في صناديق التقاعد، وازدياد أعداد كبار السن، وانخفاض نسبة المشتركين في التأمين إلى المتقاعدين، وتفاقم ديون الحكومة لمنظمة الضمان الاجتماعي. وفي هذا السياق، اعتُبرت المقترحات التي طرحها مؤيدو التغيير تصب في غير مصلحة العمال والمتقاعدين.
وفي السياق نفسه، أكد نشطاء وتجمعات العمال والمتقاعدين المستقلة مرارًا، بما في ذلك خلال احتجاجاتهم، أن السياسات الاقتصادية للحكومة، إلى جانب عدم سداد ديون الدولة لمنظمة الضمان الاجتماعي، التي تتراوح بين 700 و800 ألف مليار تومان، إضافة إلى تعيين أعضاء مجالس إدارة صناديق التقاعد من قِبل الحكومة، ومن بينها صندوق الضمان الاجتماعي، تعد من أبرز أسباب الأزمة الحالية.
وفي الوقت نفسه، شهدت الفترة الممتدة من نشر رسالة ميدري، وحتى عقد الاجتماع في 1 يوليو الجاري، موجة واسعة من الاحتجاجات والانتقادات. ومن بين هذه الاعتراضات، قيل إن وزارة التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي لم تستشر حتى التنظيمات الرسمية للعمال والمتقاعدين عند إعداد مشروع القانون.
وقالت الناشطة العمالية ورئيسة المجلس الأعلى لجمعيات العمال المهنية في إيران، سمية كلبور، إن عدم التشاور مع هذه التنظيمات "يمثل انتهاكًا صريحًا للقوانين الوطنية والدولية للعمل، وإخلالاً بمبدأ الشراكة الثلاثية".
وأضافت أن المشروع يتعارض بوضوح مع "السياسات العامة للضمان الاجتماعي" التي أُقرت في أبريل (نيسان) 2022، والتي تنص على استدامة نظام الضمان الاجتماعي وتعزيزه وجعله أكثر شعبية، مؤكدة وجود "غياب للدراسات الاكتوارية"، و"خطر القضاء عمليًا على استقلال منظمة الضمان الاجتماعي"، و"عدم قانونية نقل أموال تمثل حقوق المواطنين إلى خزينة الدولة".
ومن جانبه، وصف رئيس مجلس إدارة جمعية متقاعدي بجنورد، حبيب الله هدايتي منفرد، نقل أصول المنظمة إلى الخزانة العامة بأنه "مخالفة صريحة للقانون"، واعتبره "اعتداءً على الأموال العامة وحقوق المواطنين".
وأضاف أن نتائج هذا المشروع ستكون "ضارة بالكامل بالمجتمع العمالي والمتقاعدين"، وأنه "سيقضي تمامًا على استقلال الصندوق".
كما قال محمد أسدي، رئيس المجلس الأعلى للمتقاعدين في منظمة الضمان الاجتماعي، إن المشروع يمثل "تهديدًا مستمرًا للمعيشة" و"يتعارض مع المصالح العليا للمستفيدين"، مطالبًا بإلغائه بالكامل.
واعترض أيضًا رئيس جمعية متقاعدي شركة "توانير"، حميد رضا شيرازي، ورئيس الجمعية الوطنية لمتقاعدي قطاع المياه والكهرباء، علي دانش منفرد، على نقل أصول وأموال منظمة الضمان الاجتماعي إلى خزينة الدولة، معتبرين أن ذلك سيؤدي إلى انهيار كامل للخدمات العلاجية والمعيشية المقدمة للمتقاعدين.
وشدد رئيس اتحاد قدامى العاملين، حسن صادقي، على ضرورة سداد الحكومة ديونها لمنظمة الضمان الاجتماعي، قائلًا: "على الحكومة أولاً أن تثبت حسن نيتها بإعادة ديونها التاريخية الضخمة إلى منظمة الضمان الاجتماعي، ثم تتحدث بعد ذلك عن تقاسم الإرث".
وأكد أن أي اعتداء على هذه الموارد سيلحق أضرارًا لا يمكن تعويضها بالأمن المعيشي للطبقة العاملة.
وفي سياق الاحتجاجات، اعترض أيضًا ممثلان عن منظمات أصحاب العمل على المشروع.
وقال ممثل المجلس الأعلى لجمعيات أصحاب العمل، فرزاد يوسفي، إن الهيكل الحالي لمجلس أمناء منظمة الضمان الاجتماعي غير فعّال، داعيًا إلى إعادة العمل بهيكل "المجلس الأعلى للضمان الاجتماعي".
واعتبر أن إعداد هذا المقترح هو "نتيجة مباشرة لتجاهل آراء أصحاب العمل وانتهاك مبدأ الشراكة الثلاثية".
كما أكد نائب رئيس المنظمة الوطنية لريادة الأعمال، حسن افتخاريان، أن بنود المشروع المقترح تتعارض بصورة جوهرية مع معايير منظمة العمل الدولية والأسس الرئيسية للحماية الاجتماعية في العالم.
وأشارت "إيلنا" إلى أن ممثلي الأجهزة التنفيذية أنفسهم لم يتفقوا بشأن المشروع، إذ أعلن ممثل منظمة التخطيط والموازنة أن الأعباء المالية وتكاليف تنفيذ هذا النقل ستكون مرتفعة جدًا بالنسبة للحكومة، وأن الظروف المالية الحالية لا تسمح بتنفيذ مثل هذا المشروع.
كما شدد ممثل وزارة الشؤون الاقتصادية والمالية على أن المشروع يحتاج إلى دراسة فنية معمقة، وأنه لا ينبغي التسرع في إقراره.
ومن جانبه، انتقد مستشار منظمة الضمان الاجتماعي، علي حيدري، بشدة آلية إعداد المشروع، مؤكدًا أن المنظمة نفسها لم تكن على علم بصياغة هذه الرسالة، ولم تُستشر أي من هيئاتها الفنية، وهو ما اعتبره دليلاً على افتقار المقترح إلى الأسس المهنية.
وأشارت "إيلنا" إلى أن كبار المسؤولين الحكوميين تراجعوا عن موقفهم الأولي بعد هذه الانتقادات.
ففي البداية، حاول نائب وزير التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي، سجاد سنكسري، احتواء موجة الانتقادات، موضحًا أن الرسالة ليست سوى "مسودة فنية تهدف إلى فتح باب الحوار بين الوزيرين"، ولم تكتسب بعد أي صفة تنفيذية أو قانونية.
ثم أوضح رئيس مجلس أمناء منظمة الضمان الاجتماعي، علي نصيري أقدم، مستندًا إلى أرقام حول "عدم الاستقرار المالي والاختلالات الحالية" في صندوق الضمان الاجتماعي، أن الدافع الأساسي وراء إعداد المشروع كان محاولة إنقاذ المنظمة، مؤكدًا أنه لا يزال مجرد مسودة.
وأعلن في ختام الاجتماع وقف المشروع، مضيفًا: "إذا كان إجماع الشركاء الاجتماعيين على رفض هذا المشروع، فلا نصرّ عليه، بل سأمزقه هنا الآن".